
جيل بلا حصانة
بقلم / سهير محمود عيد
في هذا العصر لم يعد الخطر على الأطفال مجرد موقف في المدرسة أو خلاف مع الأصدقاء، بل أصبح الخطر أكبر وأوسع: عالم مفتوح يدخل إلى الطفل في أي لحظة، دون إذن، ودون وعي كافٍ يحميه.
الطفل اليوم لا يعيش داخل بيئة واحدة واضحة، بل داخل دوامة من المحتوى والمقارنات والصور المثالية والتعليقات والسخرية.
يفتح هاتفه فيرى حياة تبدو كاملة عند الآخرين، بينما يشعر هو أن حياته أقل، أبطأ، وأضعف. ومع الوقت يبدأ في فقدان أهم شعور نفسي: أنه “كافٍ كما هو”.
المشكلة أن كثيرًا من الأطفال لا يُربَّون على مواجهة هذا العالم، بل يُتركون فيه وحدهم.
نعطي الطفل هاتفًا ومحتوى بلا رقابة حقيقية، ثم نطلب منه أن يكون واعيًا وناضجًا.
ونضعه أمام ضغط نفسي يومي ثم نتفاجأ من تغير سلوكه أو ضعف ثقته بنفسه.
التنمر اليوم لم يعد موقفًا واحدًا يمكن نسيانه، بل أصبح مستمرًا ومتعدد الأشكال: تعليق، صورة، فيديو، مقارنة، أو حتى مزاح جارح يتكرر دون توقف.
الطفل لم يعد يتعرض للأذى في مكان واحد، بل في كل مكان تقريبًا.
الأخطر من التنمر نفسه هو غياب الحماية النفسية.
كثير من الأطفال لا يعرفون كيف يردون، ولا كيف يميزون بين المزاح والإهانة، ولا كيف يطلبون المساعدة.
وبعضهم يتعلم الصمت بدل المواجهة، فيكبر وهو يحمل داخله خوفًا لا يُرى.
في المقابل، هناك خطأ شائع في التربية الحديثة: التركيز على النجاح الخارجي وإهمال القوة الداخلية.
نريد طفلًا متفوقًا، مهذبًا، ناجحًا، محبوبًا… لكننا لا نعلمه كيف يفشل دون أن ينهار، ولا كيف يواجه دون أن ينكسر، ولا كيف يحمي نفسه نفسيًا.
الحل ليس في منع الطفل من العالم، لأن ذلك لم يعد ممكنًا، بل في بناء مناعته النفسية.
أن نعلّمه أن قيمته لا تأتي من رأي الآخرين، وأن الخطأ ليس نهاية، وأن التعليق السلبي لا يحدد هويته.
وأن نمنحه في البيت مساحة آمنة يشعر فيها أنه مقبول حتى وهو ضعيف أو متعب.
الطفل الذي يشعر بالأمان داخل أسرته لن يبحث عن قيمته في الخارج.
والطفل الذي يعرف نفسه جيدًا لن يهزمه تنمر أو مقارنة أو ضغط اجتماعي.
نحن لا نواجه مشكلة “أطفال ضعفاء”،
بل نواجه أطفالًا دخلوا عالمًا أكبر من قدرتهم على الفهم دون تجهيز كافٍ.
وفي النهاية، إذا أردنا جيلًا أقوى فعلًا، فعلينا أن نبدأ من الداخل… من بناء الحصانة النفسية قبل أي شيء آخر.





